فخر الدين الرازي
16
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب آخر ، وهكذا إلى الأبد والثاني : قال الزجاج : المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ولا شرابا ، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب ، وهو أن لا يذوقوا بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب وثالثها : هب أن قوله : أَحْقاباً يفيد التناهي ، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم ، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون . قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ المائدة : 37 ] ولا شك أن المنطوق راجح ، وذكر صاحب « الكشاف » في الآية وجها آخر ، وهو أن يكون أحقابا من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب . فينتصب حالا عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين ، وقوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً [ النبأ : 24 ] تفسير له . ورابعها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 24 إلى 26 ] لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن اخترنا قول الزجاج كان قوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً متصلا بما قبله ، والضمير في قوله : فِيها عائدا إلى الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ ، والضمير في قوله عائدا إلى جهنم . المسألة الثانية : في قوله : بَرْداً وجهان الأول : أنه البرد المعروف ، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا يسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، والحاصل أنهم لا يجدون هواء باردا ، ولا ماء باردا والثاني : البرد هاهنا النوم ، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي ، قال الفراء : وإنما سمى النوم بردا لأنه يبرد صاحبه ، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم ، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر : بردت مراشفها علي فصدني * عنها وعن رشفاتها البرد يعني النوم ، قال المبرد : ومن أمثال العرب : منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب ، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين الأول : أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم الثاني : أنهم يذوقون برد الزمهرير ، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاقوا / بردا ، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، فقد ذاقوا البرد والجواب عن الأول : كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضا مجاز ، ولأن المراد من قوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً أي لا يستنشقون فيها نفسا باردا ، ولا هواء باردا ، والهواء المستنشق ممره الفم والألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه والجواب عن الثاني : أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد